كود النجاة - الجزء الثالث: فخ التردد

الجزء الثالث: فخ التردد
لحظة الحقيقة الحاسمة؛ حيث يتحول جهاز الإرسال بإشارته الحمراء إلى خطر يهدد بكشف مكانهم، في صراع مرير مع الوقت والخيارات القاتلة قبل فوات الأوان.
سقط رأس الرجل فاقداً للوعي على كتفه باسترخاء مفاجئ، بينما ظل جهاز الإرسال الصغير في يده ينبض بضوء أحمر متقطع، يصدر صزيراً خافتاً ومتقطعاً كأنه عدّاد تنازلي لشيء وشيك. الهواء في المحطة المهجورة كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة الحديد الصدئ والرطوبة التي تلتصق بالجلد كأنها غبار قديم.
التزمت الصمت لثوانٍ معدودة، وكل ذرة في عقلها تصرخ بها أن تتحرك فوراً؛ لكن جسدها تجمّد في مكانه. هل تتركه هنا وتنجو بجلدها؟ أم تحاول حمله، وهي التي بالكاد تستطيع التقاط أنفاسها بعد كل هذا الركض الطويل في الأزقة؟ ذلك التردد القاتل كان أشبه برمال مبطنة تسحبها للأسفل كلما فكرت في الخيارات. نظرت إلى وجهه الشاحب، ثم إلى الدماء التي تبلل كتفه، وعرفت أن تركه يعني موته.. أو ضياع الإجابة الوحيدة التي تبحث عنها.
وفجأة، اخترق سكون المحطة المهجورة صوت احتكاك معدني خافت من الأعلى، قادم من جهة السلالم المؤدية للشارع. لم تكن مجرد خطوات عادية يتخبط صاحبها في الظلام؛ بل كانت أصوات أقدام متعددة تتحرك بانتظام وعسكريّة واضحة، يعقبها صوت انغلاق جهاز لاسلكي بخشونة. انعكس وميض أزرق وأبيض خافت على الجدران الخرسانية الممتدة أمامها؛ إنهم يقتربون، ويقومون بتمشيط المنطقة ببطء منهجي.
لم يعد هناك وقت للتفكير أو الاختيار.
جذبت ذراع الرجل المصاب بقوة وأسندته عليها، فكاد ثقله أن يسقطها أرضاً. تعثرت قدماها في بركة مياه صغيرة، لكنها تماسكت وعضت على شفتها حتى ادمت، رافعة إياه معها بكل ما أوتيت من قوة وخوف. في نفس اللحظة، خطفت جهاز الإرسال من يده وأدخلته في جيبها على عجالة، ليتوقف الصوت المتقطع ويستبدل به اهتزازاً خفيفاً ضد فخذها.
عبرت به بحذر شديد خلف أحد الأعمدة الخرسانية الضخمة، بينما مرت حزمة ضوء كاشفقوية على بعد خطوات معدودة من مخبئها، تضيء الغبار العالق في الهواء كأنه شظايا زجاجية. وعندما تحرك الضوء بعيداً، تحركت به بسرعة نحو نفق الصيانة الداخلي المظلم، تتبع وميضاً بعيداً لضوء طوارئ أحمر باهت ومع كل اهتزاز لجهاز الإرسال في جيبها، كانت تشعر أنهم لا يتبعون آثار أقدامهم، بل يتبعون نبضات قلبها هي شخصياً!). غير مدركة أن الخطوات التي تعقبها لم تكن سوى البداية لشبكة أوسع وأحكم بكثير، وأن النفق الذي ظنت أنه طوق نجاة، قد يكون هو المقصلة نفسها.
توقفوا عن الحركة تماماً في قلب العتمة، محتجزين بين رطوبة الموت وملاحقة الأعداء، بينما استمر الجهاز في جيبها يطلق اهتزازه الخافت بانتظام مرعب. وفي تلك اللحظة بالذات، صدر عن جهاز اللاسلكي القريب صوت أمر صارم وبارد عبر الأثير، جمد الدم في عروقها: «تم إغلاق جميع مخارج القطاع.. ابحثوا في النفق السفلي، الهدف لم يعد أمامه مخرج».
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق